ابن حزم
427
الاحكام
السلام في قوله : من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد وبقوله صلى الله عليه وسلم : كل أحد يدخل الجنة إلا من أبى ، قيل : ومن يأبى يا رسول الله ؟ قال : من أطاعني دخل الجنة ، ومن عصاني فقد أبى . قال علي : والمعصية إنما هي مخالفة الامر ، لا ترك محاكاة الفعل ، وما فهم قط من اللغة أن يسمى تارك محاكاة الفعل عاصيا إلا بعد أن يؤمر بمحاكاته ، فإنما استثنى عليه السلام من دخول الجنة من خالف الامر فقط ، وبقي من لا يحاكي الفعل غير راغب عنه على دخول الجنة ، فقد صح أنه ليس عاصيا ، وإذا لم يكن عاصيا فلم يجتنب فرضا فقد صح أن محاكاة الفعل ليست فرضا ، وأيضا فما فهم عربي قط من خليفة يقول : اتبعوا أمري هذا ، أنه أراد افعلوا ما يفعل ، وإنما يفهم من هذا امتثال أمره فقط ، وأيضا فإن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم لا يختلف أحد في أنها غير فرض عليه بمجردها ، ومن المحال أن يكون كذلك ويكون فرضا علينا ، وهذا هو خلاف الاتباع حقا ، وقد هذر قوم بأن قالوا : من الحجة في ذلك قول الله عز وجل : * ( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) * . قال علي : وهذا تخليط ، لان الايتاء في اللغة إنما هو الاعطاء ، والفعل لا يعطى ، وإنما يعطينا أوامره فقط ، ولا سيما وقد اتبع ذلك النهي ، وإنما توعد الله على مخالفة الامر بقوله تعالى : * ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره ) * وقال بعضهم : الضمير في أمره راجع إلى الله عز وجل . قال علي : فيقال لهم لا عليكم ، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أمر من الله عز وجل نفسه ، بقوله تعالى : * ( وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ) * فنطقه كله أمر الله عز وجل . قال علي : الآية كافية في أن اللازم إنما هو الامر فقط لا الفعل ، لان الله عز وجل إنما أخبر أن الوحي من قبله تعالى هو النطق ، والنطق إنما هو الامر ، وأما الفعل فلا يسمى نطقا البتة ، فصح أن فعله عليه السلام كله إباحة وندب لا إيجاب ، إلا ما كان منه بيانا لأمر . قال علي : وقال بعضهم : معنى أمره ههنا حاله ، كما تقول أمر فلان اليوم على إقامة ، أو أمره على عوج ، يعني حاله .